التقويم الاقتصادي للأسبوع المقبل حافل بإصدارات مهمة تؤثر في زوج اليورو/الدولار الأمريكي (EUR/USD). تقليديًا، يُعدّ الأسبوع الأول من كل شهر الأكثر غنى بالمعلومات بالنسبة للمتداولين. يتضمن التقويم مؤشرات ISM الأمريكية، وتقرير نمو التضخم في منطقة اليورو، وبيانات رئيسية عن سوق العمل في الولايات المتحدة.
مع ذلك، وبالنظر إلى الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط، سيتراجع تأثير البيانات الكلية إلى المرتبة الثانية. حتى أكثر التقارير أهمية ستلعب دورًا ثانويًا في ظل التطورات الجيوسياسية. التقارير الاقتصادية التي ستُنشر ستذكّرنا حتمًا بوجودها، لكن ذلك لن يحدث إلا عندما «تصمت المدافع». ولا يُعرف متى سيحدث ذلك. وربما يكون هذا هو السؤال الأهم بالنسبة للمشاركين في السوق، والذي سيظل معلّقًا طوال الأسبوع المقبل.
كما هو معلوم، قامت الولايات المتحدة، في عملية جوية وصاروخية مشتركة مع إسرائيل، بضرب مقر إقامة آية الله علي خامنئي. ونتيجة لهذا الهجوم، قُتل المرشد الأعلى لإيران. وقد أكدت السلطات الإيرانية رسميًا وفاته يوم الأحد. كما تمت تصفية مسؤولين رفيعي المستوى، من بينهم قيادات عسكرية (وبالتحديد وزير الدفاع في البلاد).
ردًا على ذلك، شرعت طهران في شن هجوم واسع النطاق باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، مستهدفةً ليس إسرائيل فحسب، بل أيضًا القواعد العسكرية الأميركية ومواقع أخرى في الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت والعراق. كما ظهرت تقارير غير مؤكدة تفيد بأن إيران استهدفت عاصمة السعودية، الرياض. وفي الأثناء، هدد رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، بتوجيه "ضربة قاسية"، ملمّحًا إلى أن العمليات العسكرية الجارية ليست سوى تمهيد لرد أوسع نطاقًا.
بالنسبة لسوق العملات، بما في ذلك زوج اليورو/الدولار (EUR/USD)، هناك ثلاثة عوامل بالغة الأهمية: مدة الصراع، واتساع رقعته الجغرافية، والوضع في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز في العالم.
وبحسب صحيفة The Financial Times، بدأ الشحن عبر المضيق يتباطأ؛ إذ عبر عدد قليل فقط من ناقلات النفط العملاقة خلال الليلة الماضية، بينما توقفت معظم السفن. من ناحية أخرى، صرّح مسؤولون في الحرس الثوري الإيراني يوم الأحد بأن مضيق هرمز لا يزال مفتوحًا أمام ناقلات النفط "حتى إشعار آخر". وحذروا من أن السفن الحربية الأميركية تُعد "أهدافًا مشروعة" للضربات الإيرانية.
بعبارة أخرى، لا يمكن القول حتى الآن إن هذا الشريان الحيوي للنقل قد أُغلق بالكامل. ومع ذلك، فإن مجرد التهديد باعتراض الناقلات في الخليج العربي، والمخاوف من تحول السفن إلى أهداف لهجمات، من المرجح أن ينعكسا على سوق النفط. وهذا وحده كفيل بدفع المنتجين والمتعاملين وشركات النقل إلى إعادة النظر في مسارات توريد النفط والغاز الطبيعي المسال، مع كل ما يترتب على ذلك من تبعات، بما في ذلك تلك المتعلقة بالتسعير.
أما فيما يخص مدة الصراع، فلا يوجد إجماع بشأن آفاقه المستقبلية. المتفائلون (ومن بينهم بعض ممثلي البيت الأبيض) يعتقدون أن "قطع رأس" النظام وتوجيه ضربات مكثفة سيؤديان إلى انهيار سريع لمنظومة الحكم. غير أنه من الضروري أخذ التعقيد البنيوي للسلطة في إيران في الحسبان، حيث تتشابك المؤسسات الدينية مع المدنية. إن مقتل عدد من الشخصيات المحورية لن يؤدي إلى شلل في منظومة الحكم. وقد تم اليوم، على وجه الخصوص، تعيين قائد مؤقت لإيران هو (عليرضا عرفي).
كل هذا يشير إلى أنه لا توجد حاليًا مؤشرات على أن مجريات الأحداث ستسير وفق سيناريو افتراضي على غرار فنزويلا. هذا السيناريو كان سيكون الأكثر ملاءمة لمشتري زوج اليورو/الدولار، نتيجة زيادة الطلب على الأصول ذات المخاطر وعلى الأصول السلعية.
في المقابل، يرسم كثير من المحللين صورة أكثر قتامة، مشيرين إلى أن الضربات الجوية دون عملية برية نادرًا ما تؤدي إلى تغيير للنظام. وهم يعتقدون أن إيران ستتحول إلى منطقة واسعة من المقاومة المتشظية، حيث ستقوم الجماعات الموالية لها (مثل حزب الله والحوثيين) بترهيب ناقلات النفط الأميركية/الإسرائيلية والقواعد العسكرية الأميركية على مدى أشهر، وربما سنوات. تحقق هذا السيناريو قد يقود إلى تقوية كبيرة وممتدة للدولار، ليغدو مطلوبًا بصفته ملاذًا آمنًا. علاوة على ذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط سيغذي التضخم في الولايات المتحدة، ما سيدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تبنّي موقف أكثر تشددًا (hawkish).
وهناك سيناريو أكثر قتامة يتضمن عملية برية أميركية. ففي حين أن الخيار "الفنزويلي" يفترض تغييرًا سريعًا للنظام، فإن السيناريو "العراقي" سيُغرق الجميع في فراغ جيوسياسي لعدة أشهر وربما لسنوات. في هذه الحالة، لن يظل الصراع محصورًا داخل الحدود الإيرانية: إذ ستخوض الخلايا الشيعية في العراق ولبنان واليمن حرب استنزاف ضد البنى التحتية الأميركية وبنى حلفائها، مما يجعل استعادة إنتاج النفط إلى مستوياته السابقة أمرًا متعذرًا.
سيكون "المستفيد" من هذا السيناريو أيضًا هو الدولار الآمن، ولكن إلى حين مواجهة الولايات المتحدة خسائر بشرية جسيمة. فحرب طويلة الأمد لم تحصل منذ البداية على تفويض من الكونغرس قد تفجر أزمة سياسية – قد تصل إلى حد طرح مسألة عزل Donald Trump. وعندئذ، سيفقد الدولار مجددًا جاذبيته.
وعليه، فإن "المستفيد الآني" من الوضع الحالي سيكون بلا شك الدولار، المدفوع بارتفاع حاد في النزعة إلى تجنب المخاطر. كانت تداولات يوم الجمعة قد انتهت على أمل أن تؤدي جولة إضافية من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، المقررة يوم الاثنين في فيينا، إلى خفض مستوى التوتر. لكن، كما يُقال، "جاء الغد ومعه الحرب".
نظرًا للمفاجأة، واتساع النطاق، وعدم القدرة على التنبؤ بأحداث اليوم، يمكن الافتراض بثقة أن الدولار سيعزز مواقعه بقوة في السوق يوم الاثنين، بما في ذلك أمام اليورو. وستتراجع بقية العوامل الأساسية إلى الصف الثاني. فالاتجاه العام لحركة زوج اليورو/الدولار سيتحدد الآن بالدرجة الأولى وفقًا لآفاق تحول الصراع إلى مواجهة واسعة النطاق، ومدى استعداد الأطراف للجلوس إلى طاولة المفاوضات. وحتى الآن، لا تبدي أي من الجهتين مثل هذا الاستعداد، ما يرجح استمرار موجة صعود في الدولار.